أبو علي سينا

326

الإشارات والتنبيهات ( شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي ) ( نشر الكتاب )

لما كان قوى الإنسان [ 1 ] التي بحسبها - تصدر الأفعال الإرادية عنه - ويصير بسببها سعيدا أو شقيا ثلاثا - نطقية وغضبية وشهوية - وكانت السعادة والشقاوة العاجلتان مستحقرة - بالقياس إلى الآجلتين - وكان الغالب على الناس بحسب النظر الظاهر أضداد ما - ينبغي أن يكونوا عليه بحسب ( 83 ) هذه القوى - أعني الجهل وطاعة الشهوة والغضب - سبق الوهم إلى كون الأكثرين أشقياء - لا سيما في الأجل - وذلك يقتضي غلبة الشر في نوع الإنسان - الذي هو أشرف أنواع الكائنات - فأزال الشيخ هذا الوهم - بأن وجود الجهل الذي هو ضد اليقين - أعني الجهل المركب الراسخ نادر - كوجود اليقين - والعام الفاشي هو الجهل

--> الذي هو عدم صحته . والشر وان اطلق على الوجود لكنه إذا فتش يكون مشتملا على عدم لا يطلق الشر عليه الا باعتبار ذلك العدم . فالشر في الحقيقة هو ذلك العدم . والأمثلة التي ذكرها الحكماء ليست براهين بل كأنها جواب لسؤال وهو انكم قلتم : أن ماهية الخير الوجود ، وماهية الشر العدم . ونحن نجد اطلاق الشر على الوجود فلا يكون التعريف صحيحا . فأجابوا بان الوجود ليس بشر على الحقيقة بل بالعرض والإضافة وتقسيم الموجودات إلى الأقسام الخمسة انما هو بهذا الاعتبار أي الخير والشر بالإضافة والا فليس الوجود شرا أصلا ثم حاصل الجواب : أن الموجود الشر انما وقع في القضاء الإلهي لان كل موجود يفرض وفيه شر فلا بد أن يكون جهات خيريته أكثر من جهات شريته . ولا يجوز أن يترك الخير الكثير لأجل الشر اليسير . هذا هو خلاصة البحث في هذا المقام . م [ 1 ] قوله « لما كان قوى الانسان » تلخيص السؤال ان للانسان قوى ثلاثا والغالب عليهم بحسب القوة النطقية الجهل ، وبحسب القوة الشهوانية والغضبية طاعة الشهوة والغضب . وهي شرور لأنها أسباب الشقاوة والعقاب . فيكون الشر غالبا في نوع الانسان . وتقدير الجواب أن يقال : كما أن للبدن في الصحة والجمال اقساما ثلاثة : ما في غاية الجمال ، وما في غاية المرض والقبح وما بينهما وهو الغالب . كذلك للنفس في العلم والخلق ثلاثة أقسام : من في كمال العلم وحسن الخلق ، ومن في غاية الجهل وقبح الخلق ، ومن بينهما وهو الغالب إذ النادر هو الجهل المركب دون البسيط . فإذا انضم إلى الطرف الأفضل يكون الغلبة لأهل النجاة . فان قلت : الجهل البسيط أيضا شر لأنه فقدان الانسان كماله العلمي فلما كان هو العام الفاشى يكون الشر أكثر . فنقول : الكلام في الموجود الذي هو الشر . والجهل ليس بموجود . والانسان ليس بشر بالإضافة لأنه ليس سببا له . م